الشيخ محمد هادي معرفة

31

تلخيص التمهيد

التفاوت ، ولا نماري أن يكون كلام كلّ متكلّم هي وليدة فطرته وحصيلة مواهبه ومعطياته ، بحيث لا يمكن مشاركة أيّ أحد فيما تمليه عليه ذهنيّته الخاصّة ، لكن ذلك لا يوهن حجّتنا في التحدّي بالقرآن ، لأنّا لا نطالبهم أن يأتوا بمثل صورته الكلاميّة ، كلّا ، وإنّما نطلب كلاماً - أيّاً كان نمطه وأسلوبه - بحيث إذا قيس مع القرآن بمقياس الفضيلة البيانيّة حاذاه أو قاربه ، على شاكلة ما يقاس كلمات البلغاء بعضهم مع بعض ، وهذا هو القدر الذي يتنافس فيه الأدباء ، ويتماثلون أو يتقاربون ، لا شيء سواه . وقد أشار السكّاكي إلى طرف من تلك المقاييس التي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام وانحطاطه ، قال - بعد أن ذكر أنّ مقامات الكلام متفاوتة ، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام ، ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام - : وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به . قال : فحسن الكلام تحلّيه بشيءٍ من هذه المناسبات والاعتبارات بحسب المقتضي ، ضعفاً وقوّةً على وجه من الوجوه ( التي يفصّلها في فنّي المعاني والبيان ) ويقول بعد ذلك : وإذ قد تقرّر أنّ مدار حسن الكلام وقبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال والاعتبار المناسب وعلى لا انطباقه وجب عليك - أيّها الحريص على ازدياد فضلك ، المنتصب لاقتداح زناد عقلك ، المتفحّص عن تفاصيل المزايا التي بها يقع التفاضل ، وينعقد بين البلغاء في شأنها التسابق والتناضل - أن ترجع إلى فكرك الصائب ، وذهنك الثاقب ، وخاطرك اليقظان ، وانتباهك العجيب الشأن ، ناظراً بنور عقلك ، وعين بصيرتك ، في التصفّح لمقتضيات الأحوال ، في إيراد المسند إليه على كيفيات مختلفة ، وصوَر متنافيّة ، حتى يتأتّى بروزه عندك لكلّ منزلة في معرضها ، فهو الرهان الذي يجرّب به الجياد ، والنضال الذي يعرف به الأيدي الشداد ، فتعرف أيّما حال يقتضي كذا . . . وأيّما حال يقتضي خلافه . . . إلخ « 1 » .

--> ( 1 ) . مفتاح العلوم : ص 80 - 81 و 84 .